م.محمد أحمد حجازي
30-May-2008, 07:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الأستاذ القدوة / أحمد إسماعيل عبد العظيم ( رحمه الله )
لقد ترددت في الكتابة عنه لأسباب كثيرة منها ما يحثني إليها ومنها ما يثنيني عنها .
أما ما يحثني إليها فهو كثير ٌ جدا ً، وليس من السهل الإحاطة به وتسجيله في مقال واحد ، واختصارا ً أقول لقد كان (رحمة الله عليه) مثال الابن البار لقريته حلبون ولمنطقته دوما، والتل، والقلمون، وريف دمشق ، وكان مخلصا ً لوطنه ولأمته وللإنسانية جمعاء ، ومارس دوره في الاستخلاف كما أراده الله منه تماما ً .
وبإيمانه اليقيني ، وتربيته الصالحة التي كان لوالدته العظيمة (بدوية رحمان - رحمها الله ) الدور الأكبر فيها ، كما أخذ عن والده القوي، العـُمـَري (إسماعيل عبد العظيم) الكثير ، حافظ على كرامته الفطرية كما أرادها الله له ، سلك طريق العلم والثقافة متطورا ً ، سخر علمه، وثقافته، وأخلاقه في خدمة الناس وخاصة ً المظلومين والفقراء والمستضعفين منهم، ولم يقصد من وراء ذلك مصالح دنيوية وإنما في سبيل الله. جاهد الحياة، وبنى نفسه بنفسه، وجاهد من أجل كرامة الناس، وتقدمهم، وعلمهم، وحريتهم، من أجل العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع الناس. كان جريئا ً في الحق ، متواضعا ً في الحياة ، متفانيا ً في خدمة المصلحة العامة، وخدمة الآخرين، وكان مثالا ً في الكرم مقتنعا ً بأن المال مال الله وليس سيدا ً ولا هدفا ً، وإنما هو وسيلة تؤدي وظيفتها الاجتماعية كما أرادها الله .
تشرفتُ بالقرب منه، وفزتُ بعطف أبوته منذ نعومة أظفاري في دمشق، وشاءت الظروف أن ألتحقَ به بالقاهرة لأكمل ثقافتي على يديه وبطريقة القدوة .
وإن سيرة من مثل سيرته تستحق أن يُكْتَبَ عنها عرفانا ً بها وتقديرا ً لها ، وتشجيعا ً لأولادنا وإخوتنا وشبابنا جميعا ً ليحذوا حذوها ، لأنها قيادية في كل شيء، ونادرة الوجود في هذا الزمان، وما أحوجنا إلى وجودها والاقتداء بايجابياتها .
أما ما كان يُثْنيني عنها أن يتبادر إلى أذهان الآخرين أنني أمدحه بعصبية القرابة ، أو عصبية السياسة.
وأخيرا ً غلب دافعي إلى الكتابة لما تقدم ، ولأنني لن أخوض في أي ثناء متعلق بالقرابة لأن العظماء ومنهم (أحمد إسماعيل- رحمة الله عليه) لم يكن لأقربائه من دون الناس ، كما أنني لن أتحدث عن أحمد إسماعيل عبدالعظيم السياسي الناصري، ولن أدخل في تفاصيل عمله النضالي ، وإنما اكتفي بالحديث المختصر عن نشأته، ولن أقدم أكثر من ومضات من شهادة صادقة لوجه الله تعالى لا أريد منها إلا الفائدة الاجتماعية ،والشهادة الملتزمة، لإنسان أضحى في ذمة الله تعالى ملتزما ً بقوله تعالى : ( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) .
- ولد الطفل (أحمد إسماعيل عبد العظيم غيلان) أو ( أحمد إسماعيل عبد العظيم ) في قريته حلبون عام 1918م . " و سوف أشير إلى سبب التعديل في الاسم بحذف (غيلان) منه فيما بعد " .
- بدأ حياته كطفل يرعى الماعز .
- دخل المدرسة في سن العاشرة تقريبا ً .
- تعلم حتى الصف الثالث الابتدائي في ابتدائية حلبون التي لم يكن فيها المزيد من مراحل التعليم .
- في زيارة لصائب بك العظم إلى حلبون، ومبيته في بيت (إسماعيل عبد العظيم غيلان والحجة بدوية رحمان ) ومعه ابنه ، تقدم الطفل ( أحمد ) العائد من رعي الماعز بعد أن نظفته والدته، وسلم على الضيف ، وفي هذه السهرة، وما دار فيها من أحاديث، سأل صائب بك الولدين مسألة حسابية أجاب عليها الطفل أحمد ولم يجب عليها ابنه الذي كان في الصف الرابع أو الخامس الابتدائي ، عند ذلك نصح السيد/ صائب بك أن يُتابع الطفل أحمد دراسته، ووعد بمساعدته للحصول على موافقة تسجيله في مدرسة التجهيز، حيث أنه كان من الصعب على أولاد الشعب العادي أخذ فرصتهم بالعلم دون وساطة في هذه المدارس. وحيث أن والدته (السيدة/ بدوية رحمان) كانت تتطلع إلى تعليمه، فقد سارعت إلى تسجيله في مدرسة التجهيز بدمشق بمساعدة صائب بك العظم.
- بدأ دراسته في الصف الرابع الابتدائي بالتجهيز الأولى بدمشق.
- حصل على بكالوريا أولى عام 1938م.
- عـُيـّن مديرا ً في مدرسة حلبون الابتدائية ودرَّس فيها لمدة سنتين.
- درَّس في (مدرسة كفير الزيت) و(مدرسة عين الفيجة) لمدة ثمانية سنوات.
- حصل على بكالوريا ثانية بعد عدة سنوات من البكالوريا الأولى.
- كان يجمع بين التدريس، وبين دراسة الحقوق، وحيث أن قانون 1944م لم يكن يسمح بالجمع بين الدراسة والتدريس ، فقد اضطر إلى حذف كلمة غيلان من الاسم لاستمرار دراسته للحقوق، وبقي اسمه في دراسة الحقوق أحمد إسماعيل عبد العظيم.
- حصل على شهادة الحقوق عام 1948م .
- تدرب في مكتب الأستاذ المحامي هاني البيطار ولمدة سنتين ، وكان لا يهتم بتحصيل الأجور من موكليه لدرجة أن عايره الأستاذ البيطار في ذلك.
- فتح مكتب لممارسة مهنة المحاماة عام 1951م بالقرب من ساحة المرجة – جسر الزرابلية – سابقا ً، وشارع الثورة حاليا ً .
- انتسب إلى الحزب التعاوني الاشتراكي عام 1948م، الذي كان يرأسه (الأستاذ / فيصل العسلي) و كان صديقاً لحسني الزعيم ، وفي ذلك الوقت عينت الحكومة شكري القوتلي رئيسا ً للجمهورية ، وعينت حسني الزعيم قائدا ً للجيش ، وكان فيصل العسلي نائبا ً عن منطقة الزبداني، فقال في المجلس النيابي :- كيف تعين الحكومة المغامر المجنون ويقصد ( حسني الزعيم ) قائدا ً للجيش ؟
- وفعلا ً قام حسني الزعيم بانقلاب عام 1949م وأودع فيصل العسلي السجن .
- كان الأستاذ (أحمد اسماعيل رحمه الله) من أنشط قيادات الحزب التعاوني الاشتراكي ، حتى أنه قد نظم الكثيرين من شباب حلبون في الحزب ، وكان يجمع اشتراكات مالية جيدة، ويقال أنه كان يرسل ليرة ذهب شهريا ً لفيصل العسلي الذي كان هاربا ً إلى لبنان .
- ولقد اتهمت الدولة الحزب التعاوني الاشتراكي بتهريب أسلحة من لبنان، واتهم والده (إسماعيل عبد العظيم) بتخبئة هذا السلاح وتم سجن إسماعيل عبد العظيم وعذب كثيرا ً بسبب ذلك.
- وحصلت بعد ذلك انقلابات (فوزي سلو، والحناوي، والشيشكلي)، وأخيرا ً وفي عام 1953م قام (عدنان حمود) بانقلاب في حلب واستقال (الشيشكلي) وهرب من سوريا ، وعادت الأحزاب وحصلت انتخابات نيابية في تشرين أول عام 1954م .
- خاض هذه المعركة الانتخابية، ونجح عضوا ً في المجلس النيابي في شهر تشرين الثاني عام 1954م .
- اختير عضوا ً في الاتحاد القومي للجمهورية العربية المتحدة في عهد الوحدة عام 1958م .
- استدعى الانفصاليون أعضاء الاتحاد القومي لأخذ موافقتهم على الانفصال، وتأييده، ورفض
(الأستاذ / أحمد إسماعيل) بكل شجاعة وجرأة الموافقة على تأييد الانفصال، واعتبره جريمة بحق سوريا ومصر وحق الأمة العربية جميعها .
- رشح نفسه لانتخابات المجلس النيابي في عهد الانفصال عام 1961م، متحديا ً رسالة تهديد شفهية من الضابط حيدر الكزبري يطلب منه فيها عدم الترشيح للمجلس النيابي، وكان جوابه عليها "قولوا لحيدر الكزبري:- لو لم أكن أرغب بالترشيح للمجلس فإنني الآن سأرشح نفسي،وأعلى ما في خيلك اركبه. ولقد خاض المعركة الانتخابية ونجح فيها عضواً في المجلس النيابي.
- قدم بيانا ً رائعا ً طرحه في جلسة المجلس النيابي لمناقشة بيان الحكومة وأخذ الثقة بها :-
- وضح فيه أن واجبه كنائب عن الشعب الذي انتخبه يجعله يسمو على العواطف الشخصية، ويعمل بوحي من الصالح العام.
- وقال إن الانفصال قد حرم شعبنا من نعمة الوحدة التي عودتنا الاستقرار، والعمل المستمر المخطط ، وحرم شعبنا من المكاسب الاشتراكية والإصلاح الزراعي وخطط التنمية .
- وردا ً على ما ورد في بيان الحكومة : " لن نلتفت إلى الخلف لنتحدث عن الماضي - ماضي الوحدة - ولن نردد التشكي والتألم من قسوة القدر، ومرارة الأحداث، وفداحة الأخطاء " ، قال:
يا سيدي رئيس الحكومة:
أنا لا أشارككم الرأي بعدم الالتفاف إلى الخلف، والتحدث عن الماضي،وإنما أطالبكم بذلك لأن هذا الذي ترونه أسودا ً ، أراه أنا ابيض ناصعا ً ، يحق لنا أن نلتفت إليه ونتحدث عنه ، هذا إذا كنا مؤمنين مع أنفسنا أننا وحدويون أو طلاب وحدة ، فالماضي كان وحدة ً، وكان قوة ً، وكان استقرارا ،ً وكان قبوعا ً لألد أعدائنا في جحورهم، وأكثر من ذلك كان لنا منتهى العز، وكان لهم منتهى الذل ، فبريطانيا عدوة العرب الكبرى بذلت ماء وجهها أكثر من مرة لمصالحتنا ، وموقفها سابقا ً لطلب عودة العلاقات الدبلوماسية معنا (مع الجمهورية العربية المتحدة) تعرفه الدنيا كلها ، وكذلك ضربت الوحدة النفوذ الإسرائيلي في دول القارة الإفريقية وقبرص ، وهذا وحده يفرض علينا أن لا ننسى الماضي كله ، وإنْ قٌدِّرَ لهذه الوحدة التي كانت اكبر شوكة في حلق الاستعمار وعملائه أن تنفصم ، فإنَّ ذلك لا يمنعنا مطلقا ً من أن نلتفت إلى هذه الوحدة التي فرضها شعبنا ، وأن نذكر محاسنها، ونتغنى بها، وأن نتجنب في سلوكنا الأخطاء التي أودت بها، فأبدلت القوة ضعفا ً، والاستقرار لا استقرار، لنكون في سلوكنا المقبل على وعي بهذه المحاسن وهذه الأخطاء.
- وجاء في بيان الحكومة أيضا ً : " فعلى الصعيد العربي يجب أن نأخذ العبرة والعظة من دروس الماضي ، ونتجنب الوقوع في المزالق التي تتألف منها الأسباب والعوامل المباشرة وغير المباشرة لتدهور الصلات والعلاقات بين الأقطار العربية " .
- أجاب الأستاذ (أحمد إسماعيل - رحمه الله ) :-
لقد وقفت طويلا أمام هذه الفقرة لأنها جاءت على الصعيد العربي، وهذه الناحية تهم شعبنا، شعب هذه الجمهورية الذي سبق أي شعب أخر وعيا ً وتفهما ً للسياسة وتتبعا ً لها ، وخاصة السياسة العربية ، وقفت طويلا ً وتساءلت هل إن حكومتنا تُعيب دور هذا الشعب في السابق لمواقفه البطولية بالنسبة للحكومات العربية الأخرى ، وتعتبر إن ذلك قد دفعنا في مزالق وعوامل مباشرة، وغير مباشرة، لتدهور الصلات بيننا وبين غيرنا من هذه الحكومات. فإذا كانت تقصد الحكومة ذلك فجوابي أنها خاطئة في تقديرها ، إذ إن دور الشعب العربي في سوريا هو هو لا يتبدل ولا يتغير ، إنه لن يهادن أي حكومة تنحرف عن السير العربي ، وإنني أذكر حكومتنا وقد كان بعض أعضائها وزراء في حكومة المرحوم دولة (فارس الخوري) عندما مر (مندريس) في هذا البلد ، أذكرها بموقف فريق من أعضاء المجلس النيابي آنذاك، وموقف الشعب السوري أيضا ً ، وأذكرها بموقف المجلس، وموقف الشعب، من حكومة نوري السعيد عندما قبلت بسياسة الأحلاف العسكرية ، وقبلت أن يسمى الحلف الاستعماري باسم – (حلف بغداد) - البلد العربي الناصع - فهل نهادن أية حكومة إذا كانت تقصد ذلك ؟ أبداً لن نهادن، وسيكون دورنا هو الدور من كل حكومة تتبنى سياسة الأحلاف الاستعمارية، أو تسير في ركاب الاستعماريين، أو تعرقل سير الخط العربي الصحيح .
- وجاء في بيان الحكومة :- " أنه تم تبديد أموال في عهدة الوحدة " ،
وقدم الأستاذ (أحمد إسماعيل) في بيانه المشاريع التي نفذت في عهد الوحدة، وفي جميع المجالات، والوزارات، والمؤسسات، وتحدث في الوضع الاقتصادي، وعن أجهزة الدولة، وديوان الموظفين، وفي السياسة الخارجية، وفي الوضع السياسي والحريات ، وطلب من أعضاء المجلس عدم إعطاء الثقة بالحكومة لأنها تعمل ضد مصلحة أكثرية الشعب .
- عدّد المشاريع التي نفذتها مؤسسة المشاريع الكبرى مثل :- مشروع الغاب ، والعشارنة ، والروج ، واليرموك ، والسن ، ومستودعات العلف ، وآبار البادية ، ومرفأ طرطوس ، وتحري المياه الجوفية في الجزيرة ، وقال إن ما صرف على هذه المشاريع هو: 161 مليون ليرة سورية . (وإنها أرقام كبيرة في عام 1958).
- وكذلك عدّد مشاريع وزارة الزراعة مُجَدْوَلَة ً بالأسماء والأرقام .
- ومشاريع وزارة الشؤون البلدية والقروية في المدن وفي الريف .
- ومشاريع الكهرباء حيث تم إنارة 28 قرية ومدينة كاملة .
- ومشاريع السياحة .
- ومشاريع الإسكان حيث تم بناء أكثر من أربعة آلاف وحدة سكنية مع العلم أن مجموع ما شيد منذ (1949 – 1958) م هو 316 وحدة سكنية فقط .
- عدّد مشاريع الطرق والجسور التي صرف عليها حوالي 67 مليون ليرة، وهو أضعاف ما خصص للطرق قبل الوحدة، وقدم جدولا ً بأهم مشاريع الطرق والجسور .
- وعدّد مشاريع وزارة الصحة .
- وتحدث في مجال الاقتصاد والتجارة الخارجية ، والتخطيط ، والصناعات ، والاشتراكية ، والإصلاح الزراعي ، والضرائب التصاعدية .
- وتحدث في السياسة الخارجية ، والوضع السياسي والحريات .
- وأخيرا ً قال رأيه الجريء بالحكومة وبيان الحكومة وحجب الثقة عنها كما يلي :
سيدي الرئيس ... حضرات الزملاء ...
قبل أن أترك هذه المنصة أرجو من الزملاء أن يفكروا ويفكروا طويلا ً قبل أن يدلوا برأيهم من حيث الثقة، أو عدمها لهذه الحكومة، متحللين من مصالحهم الشخصية، ومن رأي كتلهم، جاعلين نصب أعينهم مصلحة هذا الوطن، ومصلحة مناطقهم ومدنهم. وأنا تبعا ً لما جاء في هذا البيان الذي يضرب بمصالح أكثرية الشعب عرض الحائط، والذي لن يفيد من حيث النتيجة سوى حماية فئة قليلة جدا ًمن الشعب، والذي سيعطل أكثر المشاريع عامة، ومشاريع الريف خاصة، وتبعا ً لجميع ما ذكرت آنفا ً فأنني أحجب الثقة.
- قام بدوره السياسي كما يجب خلال فترة الانفصال من خلال تجربة الاتحاد الاشتراكي السابق، ومن خلال دوره في المجلس النيابي .
- لاحقته الأحكام العرفية بعد حركة 18 تموز التي قادها العقيد الركن جاسم علوان وكان من القائمة التي لُوحِقت وطلب كل فرد فيها حيا ً أو ميتا ً ، ورصدت رشوة مقدارها عشرة آلاف ليرة لمن يُبَلِّغ عن مكان تواجد أي فرد منها .
- عاش في هذه المرحلة حوالي شهرين في وطنه الصغير (حلبون) تحتضنه قلوب أهلها، وتحميه عقولهم وسواعدهم حماية الأم الحنون لابنها البار ، في الوقت الذي لم يجد غيره من يحميه من الاعتقال .
- لجأ بعد ذلك إلى بيروت، ومنها إلى القاهرة منارة، الأمة وقلعة الثورة الوطنية العالمية، والمشاركة في قيادة منظومة دول عدم الانحياز بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر ، وأقام في القاهرة مع عائلته كلاجئ سياسي يعامل كمواطن كريم من مواطني الجمهورية العربية المتحدة .
- كان من مؤسسي الاتحاد الاشتراكي العربي السوري في بيروت عام 1964م الذي تولىّ أمانته العامة الأستاذ (نهاد القاسم)، وكان تحالفا ً للحركات والأحزاب القومية الناصرية في سوريا التي قاومت الانفصال .
- مارس عمله السياسي في قيادة فرع القاهرة للاتحاد الاشتراكي العربي في الاقليم الشمالي ، وكان الاتحاد يمارس دور السفارة السورية الحقيقي في القاهرة، وعن طريقه كانت تسير أمور السوريين (طلبةً، وتجار، وسائحين وخلافه) ، وكان يقدم خدماته لأي مواطن سوري دون أي تمييز على أساس الهوية السياسية أو الاجتماعية ودون أي تحيز أو عصبية .
- حاول العودة إلى وطنه في الاقليم الشمالي في حرب 1967م حين كانت المآذن السورية تنادي "حي على الجهاد والدفاع عن الوطن" عندها سارع مع مجموعة من اللاجئين السياسيين إلى العودة إلى أرض الوطن تلبيةً لهذا النداء، ومُنِعُوا من الدخول إلى وطنهم عند الحدود اللبنانية السورية .
- عاد من مصر إلى سوريا عام 1969م دون الحصول على موافقة رسمية، وسجن مائة يوم كاملة في سجن الشيخ حسن بدمشق .
أما في المجال الاجتماعي وفي قريته حلبون فيسجل له ما يلي :-
- بنى نفسه ، وربىّ عائلة من أحد عشر ولدا ً ، وعلَّمهم جميعا ً، وغرس فيهم الأخلاق النبيلة ، والوطنية.
- في عام 1944م انتشر مرض التيفوئيد في القرية ( حلبون )، وتوفي الكثير من أهل القرية، وحاول بكل إمكاناته دفع الجهات المسئولة للاهتمام بمعالجة الموضوع، ولكن دون فائدة، وتابع الموضوع بجدية كبيرة، وطلب فتح أحد القبور لفحص جثة متوفي بالمرض لتأكيد المرض، وتم ذلك فعلا ً وعُرف المرض ، واشترى دواء جديدا ً على حسابه الخاص، واصطحب معه أحد الأطباء إلى القرية وعلم شقيقتيه وزوجته على استخدام الدواء، وأدى دوره كما يجب وكما يرضي الله في مقاومة انتشار هذا المرض.
- قام بعملية توزيع مياه ينابيع وادي حلبون على حقول القرية على أساس مساحة كل حقل وبُعْدُه عن نبع المياه، وبالعدل، وبطريقة منظمة سميت (نظام العداد) الموزع على أساس ساعة مائية ، وما زال العمل جاريا ً بهذا النظام حتى تاريخه تقريبا ً .
- قام بترسيم الحدود الزراعية بين (حلبون وتلفيتا) بمزرعة عكك والقفوات، وثبت تلك الحدود بموجب مخططات تحديد وتحرير موثقة من الجهات الرسمية، وكان لذلك أكبر الأثر في ضبط الأمور بين القريتين بدون خصومات ومشاكل .
- قام بتجميع أراضي (مزرعة عكك والقفوات والسوادة) بحيث يتم تجميع ما يملكه كل فلاح من جفان أو أسهم متفرقة هنا وهناك في مكان واحد.
- شجع على زراعة الأشجار المثمرة مثل التفاح بدلا ً من أشجار السماق .
- قاد عملية تعيين نواطير من الشباب المتميزين بالقوة، وحمى أرض حلبون من الغير لفترات طويلة .
- أسس لوجود بلدية حلبون لأول مرة .
- كان من المهتمين بالعلم في القرية، وكان المتعلم رقم (1) فيها، وساهم بافتتاح الصف الرابع والخامس في مدرسة حلبون، وقام بواجبه كاملا ً كمدير ومدرس فيها ابتدائية، ويشهد له الجميع بذلك .
- كان يميل إلى حل المشاكل بين الناس بالطرق السلمية، والمسامحة، والمصالحة ، وكان عادلا ً في حلها .
- كان متواضعا ً ومتعاطفا ً مع الفلاحين والعمال والفقراء، وكان يشارك في الدفاع عن حقوقهم في عمله الخاص، وفي حياته السياسية .
- كان من الملتزمين تماما ً بحدود ما أنزل الله، ويؤدي فرائضه كما يجب، وكان يتمثل الآية القرآنية :-
( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) ، ولقد شهد له الكثيرون بذلك .
- كان لا ينظر إلى المال إلا في حدوده كوسيلة للحياة الكريمة، يحلل مصدره ومنفقه، ويؤكد وظيفته الاجتماعية، فقد كان كريما ً متسامحا ً، ولا يشترط على الذين يتابع دعاويهم في مهنة المحاماة تسديد الأجور، وكان يتعامل معهم على قدر استطاعتهم، وكان يسدد تكاليف الدعاوي على الفقراء منهم، وينفق على المحتاجين منهم .
- كان جريئا ً شجاعا ً ، وعادلا ً، ويشارك بكل ما يستطيع في العمل العام ، وكان مثقفا ً، وإنسانيا ً، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، لا يحركه الهوى ، ولا العصبيات مهما كان نوعها .
توفي رحمه الله بتاريخ 27/4/1979م وشيع كبطل من أبطال الأمة في جنازة مهيبة، ودفن في وطنه الصغير حلبون كما كان يتمنى دائما ً .
باختصار كان مثالا ً لي ولغيري ولجميع الخيرين ( رحمه الله ) ، وجعل مثواه الجنة مع المؤمنين والصالحين.
م. محمد أحمد حجازي
الأستاذ القدوة / أحمد إسماعيل عبد العظيم ( رحمه الله )
لقد ترددت في الكتابة عنه لأسباب كثيرة منها ما يحثني إليها ومنها ما يثنيني عنها .
أما ما يحثني إليها فهو كثير ٌ جدا ً، وليس من السهل الإحاطة به وتسجيله في مقال واحد ، واختصارا ً أقول لقد كان (رحمة الله عليه) مثال الابن البار لقريته حلبون ولمنطقته دوما، والتل، والقلمون، وريف دمشق ، وكان مخلصا ً لوطنه ولأمته وللإنسانية جمعاء ، ومارس دوره في الاستخلاف كما أراده الله منه تماما ً .
وبإيمانه اليقيني ، وتربيته الصالحة التي كان لوالدته العظيمة (بدوية رحمان - رحمها الله ) الدور الأكبر فيها ، كما أخذ عن والده القوي، العـُمـَري (إسماعيل عبد العظيم) الكثير ، حافظ على كرامته الفطرية كما أرادها الله له ، سلك طريق العلم والثقافة متطورا ً ، سخر علمه، وثقافته، وأخلاقه في خدمة الناس وخاصة ً المظلومين والفقراء والمستضعفين منهم، ولم يقصد من وراء ذلك مصالح دنيوية وإنما في سبيل الله. جاهد الحياة، وبنى نفسه بنفسه، وجاهد من أجل كرامة الناس، وتقدمهم، وعلمهم، وحريتهم، من أجل العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع الناس. كان جريئا ً في الحق ، متواضعا ً في الحياة ، متفانيا ً في خدمة المصلحة العامة، وخدمة الآخرين، وكان مثالا ً في الكرم مقتنعا ً بأن المال مال الله وليس سيدا ً ولا هدفا ً، وإنما هو وسيلة تؤدي وظيفتها الاجتماعية كما أرادها الله .
تشرفتُ بالقرب منه، وفزتُ بعطف أبوته منذ نعومة أظفاري في دمشق، وشاءت الظروف أن ألتحقَ به بالقاهرة لأكمل ثقافتي على يديه وبطريقة القدوة .
وإن سيرة من مثل سيرته تستحق أن يُكْتَبَ عنها عرفانا ً بها وتقديرا ً لها ، وتشجيعا ً لأولادنا وإخوتنا وشبابنا جميعا ً ليحذوا حذوها ، لأنها قيادية في كل شيء، ونادرة الوجود في هذا الزمان، وما أحوجنا إلى وجودها والاقتداء بايجابياتها .
أما ما كان يُثْنيني عنها أن يتبادر إلى أذهان الآخرين أنني أمدحه بعصبية القرابة ، أو عصبية السياسة.
وأخيرا ً غلب دافعي إلى الكتابة لما تقدم ، ولأنني لن أخوض في أي ثناء متعلق بالقرابة لأن العظماء ومنهم (أحمد إسماعيل- رحمة الله عليه) لم يكن لأقربائه من دون الناس ، كما أنني لن أتحدث عن أحمد إسماعيل عبدالعظيم السياسي الناصري، ولن أدخل في تفاصيل عمله النضالي ، وإنما اكتفي بالحديث المختصر عن نشأته، ولن أقدم أكثر من ومضات من شهادة صادقة لوجه الله تعالى لا أريد منها إلا الفائدة الاجتماعية ،والشهادة الملتزمة، لإنسان أضحى في ذمة الله تعالى ملتزما ً بقوله تعالى : ( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) .
- ولد الطفل (أحمد إسماعيل عبد العظيم غيلان) أو ( أحمد إسماعيل عبد العظيم ) في قريته حلبون عام 1918م . " و سوف أشير إلى سبب التعديل في الاسم بحذف (غيلان) منه فيما بعد " .
- بدأ حياته كطفل يرعى الماعز .
- دخل المدرسة في سن العاشرة تقريبا ً .
- تعلم حتى الصف الثالث الابتدائي في ابتدائية حلبون التي لم يكن فيها المزيد من مراحل التعليم .
- في زيارة لصائب بك العظم إلى حلبون، ومبيته في بيت (إسماعيل عبد العظيم غيلان والحجة بدوية رحمان ) ومعه ابنه ، تقدم الطفل ( أحمد ) العائد من رعي الماعز بعد أن نظفته والدته، وسلم على الضيف ، وفي هذه السهرة، وما دار فيها من أحاديث، سأل صائب بك الولدين مسألة حسابية أجاب عليها الطفل أحمد ولم يجب عليها ابنه الذي كان في الصف الرابع أو الخامس الابتدائي ، عند ذلك نصح السيد/ صائب بك أن يُتابع الطفل أحمد دراسته، ووعد بمساعدته للحصول على موافقة تسجيله في مدرسة التجهيز، حيث أنه كان من الصعب على أولاد الشعب العادي أخذ فرصتهم بالعلم دون وساطة في هذه المدارس. وحيث أن والدته (السيدة/ بدوية رحمان) كانت تتطلع إلى تعليمه، فقد سارعت إلى تسجيله في مدرسة التجهيز بدمشق بمساعدة صائب بك العظم.
- بدأ دراسته في الصف الرابع الابتدائي بالتجهيز الأولى بدمشق.
- حصل على بكالوريا أولى عام 1938م.
- عـُيـّن مديرا ً في مدرسة حلبون الابتدائية ودرَّس فيها لمدة سنتين.
- درَّس في (مدرسة كفير الزيت) و(مدرسة عين الفيجة) لمدة ثمانية سنوات.
- حصل على بكالوريا ثانية بعد عدة سنوات من البكالوريا الأولى.
- كان يجمع بين التدريس، وبين دراسة الحقوق، وحيث أن قانون 1944م لم يكن يسمح بالجمع بين الدراسة والتدريس ، فقد اضطر إلى حذف كلمة غيلان من الاسم لاستمرار دراسته للحقوق، وبقي اسمه في دراسة الحقوق أحمد إسماعيل عبد العظيم.
- حصل على شهادة الحقوق عام 1948م .
- تدرب في مكتب الأستاذ المحامي هاني البيطار ولمدة سنتين ، وكان لا يهتم بتحصيل الأجور من موكليه لدرجة أن عايره الأستاذ البيطار في ذلك.
- فتح مكتب لممارسة مهنة المحاماة عام 1951م بالقرب من ساحة المرجة – جسر الزرابلية – سابقا ً، وشارع الثورة حاليا ً .
- انتسب إلى الحزب التعاوني الاشتراكي عام 1948م، الذي كان يرأسه (الأستاذ / فيصل العسلي) و كان صديقاً لحسني الزعيم ، وفي ذلك الوقت عينت الحكومة شكري القوتلي رئيسا ً للجمهورية ، وعينت حسني الزعيم قائدا ً للجيش ، وكان فيصل العسلي نائبا ً عن منطقة الزبداني، فقال في المجلس النيابي :- كيف تعين الحكومة المغامر المجنون ويقصد ( حسني الزعيم ) قائدا ً للجيش ؟
- وفعلا ً قام حسني الزعيم بانقلاب عام 1949م وأودع فيصل العسلي السجن .
- كان الأستاذ (أحمد اسماعيل رحمه الله) من أنشط قيادات الحزب التعاوني الاشتراكي ، حتى أنه قد نظم الكثيرين من شباب حلبون في الحزب ، وكان يجمع اشتراكات مالية جيدة، ويقال أنه كان يرسل ليرة ذهب شهريا ً لفيصل العسلي الذي كان هاربا ً إلى لبنان .
- ولقد اتهمت الدولة الحزب التعاوني الاشتراكي بتهريب أسلحة من لبنان، واتهم والده (إسماعيل عبد العظيم) بتخبئة هذا السلاح وتم سجن إسماعيل عبد العظيم وعذب كثيرا ً بسبب ذلك.
- وحصلت بعد ذلك انقلابات (فوزي سلو، والحناوي، والشيشكلي)، وأخيرا ً وفي عام 1953م قام (عدنان حمود) بانقلاب في حلب واستقال (الشيشكلي) وهرب من سوريا ، وعادت الأحزاب وحصلت انتخابات نيابية في تشرين أول عام 1954م .
- خاض هذه المعركة الانتخابية، ونجح عضوا ً في المجلس النيابي في شهر تشرين الثاني عام 1954م .
- اختير عضوا ً في الاتحاد القومي للجمهورية العربية المتحدة في عهد الوحدة عام 1958م .
- استدعى الانفصاليون أعضاء الاتحاد القومي لأخذ موافقتهم على الانفصال، وتأييده، ورفض
(الأستاذ / أحمد إسماعيل) بكل شجاعة وجرأة الموافقة على تأييد الانفصال، واعتبره جريمة بحق سوريا ومصر وحق الأمة العربية جميعها .
- رشح نفسه لانتخابات المجلس النيابي في عهد الانفصال عام 1961م، متحديا ً رسالة تهديد شفهية من الضابط حيدر الكزبري يطلب منه فيها عدم الترشيح للمجلس النيابي، وكان جوابه عليها "قولوا لحيدر الكزبري:- لو لم أكن أرغب بالترشيح للمجلس فإنني الآن سأرشح نفسي،وأعلى ما في خيلك اركبه. ولقد خاض المعركة الانتخابية ونجح فيها عضواً في المجلس النيابي.
- قدم بيانا ً رائعا ً طرحه في جلسة المجلس النيابي لمناقشة بيان الحكومة وأخذ الثقة بها :-
- وضح فيه أن واجبه كنائب عن الشعب الذي انتخبه يجعله يسمو على العواطف الشخصية، ويعمل بوحي من الصالح العام.
- وقال إن الانفصال قد حرم شعبنا من نعمة الوحدة التي عودتنا الاستقرار، والعمل المستمر المخطط ، وحرم شعبنا من المكاسب الاشتراكية والإصلاح الزراعي وخطط التنمية .
- وردا ً على ما ورد في بيان الحكومة : " لن نلتفت إلى الخلف لنتحدث عن الماضي - ماضي الوحدة - ولن نردد التشكي والتألم من قسوة القدر، ومرارة الأحداث، وفداحة الأخطاء " ، قال:
يا سيدي رئيس الحكومة:
أنا لا أشارككم الرأي بعدم الالتفاف إلى الخلف، والتحدث عن الماضي،وإنما أطالبكم بذلك لأن هذا الذي ترونه أسودا ً ، أراه أنا ابيض ناصعا ً ، يحق لنا أن نلتفت إليه ونتحدث عنه ، هذا إذا كنا مؤمنين مع أنفسنا أننا وحدويون أو طلاب وحدة ، فالماضي كان وحدة ً، وكان قوة ً، وكان استقرارا ،ً وكان قبوعا ً لألد أعدائنا في جحورهم، وأكثر من ذلك كان لنا منتهى العز، وكان لهم منتهى الذل ، فبريطانيا عدوة العرب الكبرى بذلت ماء وجهها أكثر من مرة لمصالحتنا ، وموقفها سابقا ً لطلب عودة العلاقات الدبلوماسية معنا (مع الجمهورية العربية المتحدة) تعرفه الدنيا كلها ، وكذلك ضربت الوحدة النفوذ الإسرائيلي في دول القارة الإفريقية وقبرص ، وهذا وحده يفرض علينا أن لا ننسى الماضي كله ، وإنْ قٌدِّرَ لهذه الوحدة التي كانت اكبر شوكة في حلق الاستعمار وعملائه أن تنفصم ، فإنَّ ذلك لا يمنعنا مطلقا ً من أن نلتفت إلى هذه الوحدة التي فرضها شعبنا ، وأن نذكر محاسنها، ونتغنى بها، وأن نتجنب في سلوكنا الأخطاء التي أودت بها، فأبدلت القوة ضعفا ً، والاستقرار لا استقرار، لنكون في سلوكنا المقبل على وعي بهذه المحاسن وهذه الأخطاء.
- وجاء في بيان الحكومة أيضا ً : " فعلى الصعيد العربي يجب أن نأخذ العبرة والعظة من دروس الماضي ، ونتجنب الوقوع في المزالق التي تتألف منها الأسباب والعوامل المباشرة وغير المباشرة لتدهور الصلات والعلاقات بين الأقطار العربية " .
- أجاب الأستاذ (أحمد إسماعيل - رحمه الله ) :-
لقد وقفت طويلا أمام هذه الفقرة لأنها جاءت على الصعيد العربي، وهذه الناحية تهم شعبنا، شعب هذه الجمهورية الذي سبق أي شعب أخر وعيا ً وتفهما ً للسياسة وتتبعا ً لها ، وخاصة السياسة العربية ، وقفت طويلا ً وتساءلت هل إن حكومتنا تُعيب دور هذا الشعب في السابق لمواقفه البطولية بالنسبة للحكومات العربية الأخرى ، وتعتبر إن ذلك قد دفعنا في مزالق وعوامل مباشرة، وغير مباشرة، لتدهور الصلات بيننا وبين غيرنا من هذه الحكومات. فإذا كانت تقصد الحكومة ذلك فجوابي أنها خاطئة في تقديرها ، إذ إن دور الشعب العربي في سوريا هو هو لا يتبدل ولا يتغير ، إنه لن يهادن أي حكومة تنحرف عن السير العربي ، وإنني أذكر حكومتنا وقد كان بعض أعضائها وزراء في حكومة المرحوم دولة (فارس الخوري) عندما مر (مندريس) في هذا البلد ، أذكرها بموقف فريق من أعضاء المجلس النيابي آنذاك، وموقف الشعب السوري أيضا ً ، وأذكرها بموقف المجلس، وموقف الشعب، من حكومة نوري السعيد عندما قبلت بسياسة الأحلاف العسكرية ، وقبلت أن يسمى الحلف الاستعماري باسم – (حلف بغداد) - البلد العربي الناصع - فهل نهادن أية حكومة إذا كانت تقصد ذلك ؟ أبداً لن نهادن، وسيكون دورنا هو الدور من كل حكومة تتبنى سياسة الأحلاف الاستعمارية، أو تسير في ركاب الاستعماريين، أو تعرقل سير الخط العربي الصحيح .
- وجاء في بيان الحكومة :- " أنه تم تبديد أموال في عهدة الوحدة " ،
وقدم الأستاذ (أحمد إسماعيل) في بيانه المشاريع التي نفذت في عهد الوحدة، وفي جميع المجالات، والوزارات، والمؤسسات، وتحدث في الوضع الاقتصادي، وعن أجهزة الدولة، وديوان الموظفين، وفي السياسة الخارجية، وفي الوضع السياسي والحريات ، وطلب من أعضاء المجلس عدم إعطاء الثقة بالحكومة لأنها تعمل ضد مصلحة أكثرية الشعب .
- عدّد المشاريع التي نفذتها مؤسسة المشاريع الكبرى مثل :- مشروع الغاب ، والعشارنة ، والروج ، واليرموك ، والسن ، ومستودعات العلف ، وآبار البادية ، ومرفأ طرطوس ، وتحري المياه الجوفية في الجزيرة ، وقال إن ما صرف على هذه المشاريع هو: 161 مليون ليرة سورية . (وإنها أرقام كبيرة في عام 1958).
- وكذلك عدّد مشاريع وزارة الزراعة مُجَدْوَلَة ً بالأسماء والأرقام .
- ومشاريع وزارة الشؤون البلدية والقروية في المدن وفي الريف .
- ومشاريع الكهرباء حيث تم إنارة 28 قرية ومدينة كاملة .
- ومشاريع السياحة .
- ومشاريع الإسكان حيث تم بناء أكثر من أربعة آلاف وحدة سكنية مع العلم أن مجموع ما شيد منذ (1949 – 1958) م هو 316 وحدة سكنية فقط .
- عدّد مشاريع الطرق والجسور التي صرف عليها حوالي 67 مليون ليرة، وهو أضعاف ما خصص للطرق قبل الوحدة، وقدم جدولا ً بأهم مشاريع الطرق والجسور .
- وعدّد مشاريع وزارة الصحة .
- وتحدث في مجال الاقتصاد والتجارة الخارجية ، والتخطيط ، والصناعات ، والاشتراكية ، والإصلاح الزراعي ، والضرائب التصاعدية .
- وتحدث في السياسة الخارجية ، والوضع السياسي والحريات .
- وأخيرا ً قال رأيه الجريء بالحكومة وبيان الحكومة وحجب الثقة عنها كما يلي :
سيدي الرئيس ... حضرات الزملاء ...
قبل أن أترك هذه المنصة أرجو من الزملاء أن يفكروا ويفكروا طويلا ً قبل أن يدلوا برأيهم من حيث الثقة، أو عدمها لهذه الحكومة، متحللين من مصالحهم الشخصية، ومن رأي كتلهم، جاعلين نصب أعينهم مصلحة هذا الوطن، ومصلحة مناطقهم ومدنهم. وأنا تبعا ً لما جاء في هذا البيان الذي يضرب بمصالح أكثرية الشعب عرض الحائط، والذي لن يفيد من حيث النتيجة سوى حماية فئة قليلة جدا ًمن الشعب، والذي سيعطل أكثر المشاريع عامة، ومشاريع الريف خاصة، وتبعا ً لجميع ما ذكرت آنفا ً فأنني أحجب الثقة.
- قام بدوره السياسي كما يجب خلال فترة الانفصال من خلال تجربة الاتحاد الاشتراكي السابق، ومن خلال دوره في المجلس النيابي .
- لاحقته الأحكام العرفية بعد حركة 18 تموز التي قادها العقيد الركن جاسم علوان وكان من القائمة التي لُوحِقت وطلب كل فرد فيها حيا ً أو ميتا ً ، ورصدت رشوة مقدارها عشرة آلاف ليرة لمن يُبَلِّغ عن مكان تواجد أي فرد منها .
- عاش في هذه المرحلة حوالي شهرين في وطنه الصغير (حلبون) تحتضنه قلوب أهلها، وتحميه عقولهم وسواعدهم حماية الأم الحنون لابنها البار ، في الوقت الذي لم يجد غيره من يحميه من الاعتقال .
- لجأ بعد ذلك إلى بيروت، ومنها إلى القاهرة منارة، الأمة وقلعة الثورة الوطنية العالمية، والمشاركة في قيادة منظومة دول عدم الانحياز بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر ، وأقام في القاهرة مع عائلته كلاجئ سياسي يعامل كمواطن كريم من مواطني الجمهورية العربية المتحدة .
- كان من مؤسسي الاتحاد الاشتراكي العربي السوري في بيروت عام 1964م الذي تولىّ أمانته العامة الأستاذ (نهاد القاسم)، وكان تحالفا ً للحركات والأحزاب القومية الناصرية في سوريا التي قاومت الانفصال .
- مارس عمله السياسي في قيادة فرع القاهرة للاتحاد الاشتراكي العربي في الاقليم الشمالي ، وكان الاتحاد يمارس دور السفارة السورية الحقيقي في القاهرة، وعن طريقه كانت تسير أمور السوريين (طلبةً، وتجار، وسائحين وخلافه) ، وكان يقدم خدماته لأي مواطن سوري دون أي تمييز على أساس الهوية السياسية أو الاجتماعية ودون أي تحيز أو عصبية .
- حاول العودة إلى وطنه في الاقليم الشمالي في حرب 1967م حين كانت المآذن السورية تنادي "حي على الجهاد والدفاع عن الوطن" عندها سارع مع مجموعة من اللاجئين السياسيين إلى العودة إلى أرض الوطن تلبيةً لهذا النداء، ومُنِعُوا من الدخول إلى وطنهم عند الحدود اللبنانية السورية .
- عاد من مصر إلى سوريا عام 1969م دون الحصول على موافقة رسمية، وسجن مائة يوم كاملة في سجن الشيخ حسن بدمشق .
أما في المجال الاجتماعي وفي قريته حلبون فيسجل له ما يلي :-
- بنى نفسه ، وربىّ عائلة من أحد عشر ولدا ً ، وعلَّمهم جميعا ً، وغرس فيهم الأخلاق النبيلة ، والوطنية.
- في عام 1944م انتشر مرض التيفوئيد في القرية ( حلبون )، وتوفي الكثير من أهل القرية، وحاول بكل إمكاناته دفع الجهات المسئولة للاهتمام بمعالجة الموضوع، ولكن دون فائدة، وتابع الموضوع بجدية كبيرة، وطلب فتح أحد القبور لفحص جثة متوفي بالمرض لتأكيد المرض، وتم ذلك فعلا ً وعُرف المرض ، واشترى دواء جديدا ً على حسابه الخاص، واصطحب معه أحد الأطباء إلى القرية وعلم شقيقتيه وزوجته على استخدام الدواء، وأدى دوره كما يجب وكما يرضي الله في مقاومة انتشار هذا المرض.
- قام بعملية توزيع مياه ينابيع وادي حلبون على حقول القرية على أساس مساحة كل حقل وبُعْدُه عن نبع المياه، وبالعدل، وبطريقة منظمة سميت (نظام العداد) الموزع على أساس ساعة مائية ، وما زال العمل جاريا ً بهذا النظام حتى تاريخه تقريبا ً .
- قام بترسيم الحدود الزراعية بين (حلبون وتلفيتا) بمزرعة عكك والقفوات، وثبت تلك الحدود بموجب مخططات تحديد وتحرير موثقة من الجهات الرسمية، وكان لذلك أكبر الأثر في ضبط الأمور بين القريتين بدون خصومات ومشاكل .
- قام بتجميع أراضي (مزرعة عكك والقفوات والسوادة) بحيث يتم تجميع ما يملكه كل فلاح من جفان أو أسهم متفرقة هنا وهناك في مكان واحد.
- شجع على زراعة الأشجار المثمرة مثل التفاح بدلا ً من أشجار السماق .
- قاد عملية تعيين نواطير من الشباب المتميزين بالقوة، وحمى أرض حلبون من الغير لفترات طويلة .
- أسس لوجود بلدية حلبون لأول مرة .
- كان من المهتمين بالعلم في القرية، وكان المتعلم رقم (1) فيها، وساهم بافتتاح الصف الرابع والخامس في مدرسة حلبون، وقام بواجبه كاملا ً كمدير ومدرس فيها ابتدائية، ويشهد له الجميع بذلك .
- كان يميل إلى حل المشاكل بين الناس بالطرق السلمية، والمسامحة، والمصالحة ، وكان عادلا ً في حلها .
- كان متواضعا ً ومتعاطفا ً مع الفلاحين والعمال والفقراء، وكان يشارك في الدفاع عن حقوقهم في عمله الخاص، وفي حياته السياسية .
- كان من الملتزمين تماما ً بحدود ما أنزل الله، ويؤدي فرائضه كما يجب، وكان يتمثل الآية القرآنية :-
( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) ، ولقد شهد له الكثيرون بذلك .
- كان لا ينظر إلى المال إلا في حدوده كوسيلة للحياة الكريمة، يحلل مصدره ومنفقه، ويؤكد وظيفته الاجتماعية، فقد كان كريما ً متسامحا ً، ولا يشترط على الذين يتابع دعاويهم في مهنة المحاماة تسديد الأجور، وكان يتعامل معهم على قدر استطاعتهم، وكان يسدد تكاليف الدعاوي على الفقراء منهم، وينفق على المحتاجين منهم .
- كان جريئا ً شجاعا ً ، وعادلا ً، ويشارك بكل ما يستطيع في العمل العام ، وكان مثقفا ً، وإنسانيا ً، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، لا يحركه الهوى ، ولا العصبيات مهما كان نوعها .
توفي رحمه الله بتاريخ 27/4/1979م وشيع كبطل من أبطال الأمة في جنازة مهيبة، ودفن في وطنه الصغير حلبون كما كان يتمنى دائما ً .
باختصار كان مثالا ً لي ولغيري ولجميع الخيرين ( رحمه الله ) ، وجعل مثواه الجنة مع المؤمنين والصالحين.
م. محمد أحمد حجازي