غريب
31-Jul-2007, 12:13 PM
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فقد اطلعت على ما نشر في جريدة الرياض العدد 4887 الصادر في 17 / 9 / 1401 هـ تحت زاوية قصة اجتماعية بعنوان "قسوة القدر" بقلم قماشة الإبراهيم، وقد ورد في القصة المذكورة قول الكاتبة: "إننا في هذه الحياة ليس لنا حقوق، إننا أعمار يلهو بها القدر، حتى يملها، فيلقي بها إلى العالم الآخر، والقدر يلهو أحيانا بدموعنا وضحكاتنا".
وهذا الكلام مناف لكمال التوحيد، وكمال الإيمان بالقدر، فإن القدر لا يلهو، والزمن لا يعبث، وإن كل ما يجري في هذه الحياة هو بتقدير الله وعلمه، والله سبحانه هو الذي يصرِّف الليل والنهار، وهو الذي يقدِّر السعادة والشقاء، حسب ما تقتضيه حكمته، وقد تخفى تلك الحكمة على الناس؛ لأن علمهم محدود، وعقولهم قاصرة عن إدراك تلك الحكمة الإلهية، وكل ما في الوجود مخلوق لله، خلقه بمشيئته وقدرته، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويغني ويفقر، ويضل ويهدي، ويسعد ويشقي، ويولي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، وقد أحسن كل شيء خلقه، وكل أفعال الخالق وأوامره ونواهيه لها حكمة بالغة وغايات محمودة، يشكر عليها سبحانه، وإن لم يعرفها البشر لقصور إدراكهم.
وقد ورد في الصحيحين وغيرهما عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال يقول الله تعالى: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)، وفي رواية: (لا تسبوا الدهر فإني أنا الدهر)، وفي رواية: (لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر أرسل الليل والنهار فإذا شئت قبضتهما).
وقد كان العرب في الجاهلية ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد، سبوا فاعلها فكان مرجع سبها إلى الله -عز وجل-، إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يصفونها، فَنُهُوا عن سب الدهر، وقد نُقِل هذا التفسير للحديث بهذا المعنى عن الشافعي ، وأبي عبيد ، وابن جرير ، والبغوي وغيرهم.
وأما معنى قوله: (أقلب الليل والنهار)، يعني أن ما يجري فيهما من خير وشر بإرادة الله وتدبيره وبعلم منه تعالى وحكمة، لا يشاركه في ذلك غيره، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالواجب عند ذلك حمده في الحالتين، وحسن الظن به سبحانه وبحمده، والرجوع إليه بالتوبة والإنابة، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}.
وقد أورد الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- بابًا في كتاب التوحيد سماه: "باب من سبَّ الدهر فقد آذى الله"، أورد فيه هذا الحديث، وبيَّن أنه يشتمل على عدة مسائل:
* النهي عن سب الدهر.
* تسميته أذى لله.
* التأمل في قوله: فإن الله هو الدهر.
* أنه قد يكون سابًا ولو لم يقصده بقلبه.
وعلى هذا فإن الكاتبة - سامحها الله - أخطأت عندما نسبت القسوة إلى الدهر في عنوان قصتها؛ لأن القدر - كما سبق - لا يتصرف، وإنما الله سبحانه هو المقدِّر للأشياء عن حكمة بالغة، والله -جل وعلا- لا يوصف بالقسوة؛ بل هو -جل وعلا- رحيم بعباده، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها، كما ورد في الحديث الصحيح: (الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها)، فيجب أن ننزِّه أقلامنا عن الوقوع في مثل هذه المزالق؛ امتثالًا لأمر الله وأمر رسوله، وإكمالًا للتوحيد، وابتعادًا عما ينافيه أو ينافي كماله، ووسائل الإعلام - كما هو معروف - واسعة الانتشار وعظيمة التأثير على الناس، وكثرة ترديدها لمثل هذه الكلمات ينشرها بين الناس، ويجعلهم يتساهلون في استعمالها، وخاصة النشء مع ما في استعمالها من المحذور.
نسأل الله أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، ويجنِّبنا زلات القلم واللسان، إنه سميع مجيب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
مجموع فتاوى و رسائل الشيخ عبد العزيز بن عبدالله بن باز. المجلد الأول.
نقلًا من موقع مسلمات نقلا من موقع طريق الإسلام .
فقد اطلعت على ما نشر في جريدة الرياض العدد 4887 الصادر في 17 / 9 / 1401 هـ تحت زاوية قصة اجتماعية بعنوان "قسوة القدر" بقلم قماشة الإبراهيم، وقد ورد في القصة المذكورة قول الكاتبة: "إننا في هذه الحياة ليس لنا حقوق، إننا أعمار يلهو بها القدر، حتى يملها، فيلقي بها إلى العالم الآخر، والقدر يلهو أحيانا بدموعنا وضحكاتنا".
وهذا الكلام مناف لكمال التوحيد، وكمال الإيمان بالقدر، فإن القدر لا يلهو، والزمن لا يعبث، وإن كل ما يجري في هذه الحياة هو بتقدير الله وعلمه، والله سبحانه هو الذي يصرِّف الليل والنهار، وهو الذي يقدِّر السعادة والشقاء، حسب ما تقتضيه حكمته، وقد تخفى تلك الحكمة على الناس؛ لأن علمهم محدود، وعقولهم قاصرة عن إدراك تلك الحكمة الإلهية، وكل ما في الوجود مخلوق لله، خلقه بمشيئته وقدرته، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويغني ويفقر، ويضل ويهدي، ويسعد ويشقي، ويولي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، وقد أحسن كل شيء خلقه، وكل أفعال الخالق وأوامره ونواهيه لها حكمة بالغة وغايات محمودة، يشكر عليها سبحانه، وإن لم يعرفها البشر لقصور إدراكهم.
وقد ورد في الصحيحين وغيرهما عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال يقول الله تعالى: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)، وفي رواية: (لا تسبوا الدهر فإني أنا الدهر)، وفي رواية: (لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر أرسل الليل والنهار فإذا شئت قبضتهما).
وقد كان العرب في الجاهلية ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد، سبوا فاعلها فكان مرجع سبها إلى الله -عز وجل-، إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يصفونها، فَنُهُوا عن سب الدهر، وقد نُقِل هذا التفسير للحديث بهذا المعنى عن الشافعي ، وأبي عبيد ، وابن جرير ، والبغوي وغيرهم.
وأما معنى قوله: (أقلب الليل والنهار)، يعني أن ما يجري فيهما من خير وشر بإرادة الله وتدبيره وبعلم منه تعالى وحكمة، لا يشاركه في ذلك غيره، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالواجب عند ذلك حمده في الحالتين، وحسن الظن به سبحانه وبحمده، والرجوع إليه بالتوبة والإنابة، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}.
وقد أورد الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- بابًا في كتاب التوحيد سماه: "باب من سبَّ الدهر فقد آذى الله"، أورد فيه هذا الحديث، وبيَّن أنه يشتمل على عدة مسائل:
* النهي عن سب الدهر.
* تسميته أذى لله.
* التأمل في قوله: فإن الله هو الدهر.
* أنه قد يكون سابًا ولو لم يقصده بقلبه.
وعلى هذا فإن الكاتبة - سامحها الله - أخطأت عندما نسبت القسوة إلى الدهر في عنوان قصتها؛ لأن القدر - كما سبق - لا يتصرف، وإنما الله سبحانه هو المقدِّر للأشياء عن حكمة بالغة، والله -جل وعلا- لا يوصف بالقسوة؛ بل هو -جل وعلا- رحيم بعباده، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها، كما ورد في الحديث الصحيح: (الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها)، فيجب أن ننزِّه أقلامنا عن الوقوع في مثل هذه المزالق؛ امتثالًا لأمر الله وأمر رسوله، وإكمالًا للتوحيد، وابتعادًا عما ينافيه أو ينافي كماله، ووسائل الإعلام - كما هو معروف - واسعة الانتشار وعظيمة التأثير على الناس، وكثرة ترديدها لمثل هذه الكلمات ينشرها بين الناس، ويجعلهم يتساهلون في استعمالها، وخاصة النشء مع ما في استعمالها من المحذور.
نسأل الله أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، ويجنِّبنا زلات القلم واللسان، إنه سميع مجيب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
مجموع فتاوى و رسائل الشيخ عبد العزيز بن عبدالله بن باز. المجلد الأول.
نقلًا من موقع مسلمات نقلا من موقع طريق الإسلام .